شهد قطاع الطاقة والبنية التحتية في السودان في المطلع من أغسطس 2026 انتكاسة حادة إثر اندلاع حريق في الكوابل والمغذيات الرئيسية بمحطة توليد كهرباء سد مروي في الولاية الشمالية. وتكتسب هذه الكارثة الفنية بعداً إستراتيجياً خطيراً بالنظر إلى المكانة المحورية لسد مروي، الذي يُعد أكبر مشروع للتوليد الكهرومائي في البلاد بطاقة تصميمية تبلغ 1250 ميغاواط موزعة على عشر وحدات توليد. ونتج عن الحريق خروج المحطة الكلي عن الخدمة وانقطاع التيار الكهربائي عن أربع ولايات حيوية تضم العاصمة الخرطوم، ولائية نهر النيل، والولاية الشمالية، وولاية البحر الأحمر. ولم تتوقف الأزمة عند حدود العطل الفني الأصلي، بل امتدت لتكشف عن هشاشة بنيوية في إدارة الأزمات وشفافية الخطاب الحكومي، وتفاقمت بنحو مركب عقب اندلاع حريق آخر في محطة كهرباء بورتسودان القديمة، ما وضع المنظومة الخدمية والأهلية أمام اختبار غير مسبوق في ظل ظروف مناخية وسياسية بالغة القسوة.
سد مروي: شريان الطاقة الرئيسي في السودان. المصدر: ويكيبيديا
التطور الزمني للأزمة
بدأت معالم الأزمة في الأول من أغسطس 2026 ببيان أولي صادر عن وزارة الطاقة والنفط السودانية وصف الحادث بأنه "حريق محدود" نشب في أحد كوابل محطة توليد كهرباء سد مروي، مؤكدة نجاح قوات الدفاع المدني والفرق الفنية في السيطرة عليه خلال وقت وجيز. وطمأنت الوزارة المواطنين بأن الفرق الهندسية تواصل العمل لإعادة التيار الكهربائي في أسرع وقت ممكن.
إلا أن الواقع الميداني سرعان ما فرض تراجعاً صريحاً في الخطاب الحكومي؛ إذ أصدرت الوزارة بياناً معدلاً في الثاني من أغسطس إثر إجراء الفحوصات الهندسية المتقدمة، أقرت فيه بأن الحريق كان كبيراً وخلّف تلفاً واسعاً في المغذيات الرئيسية لخطوط نقل الطاقة. وأوضحت التقارير الفنية اللاحقة أن استعادة الخدمة تتطلب عدة أيام، وليس مجرد ساعات كما يُعتقد في بادئ الأمر.
المرحلة الزمنية
التكييف الرسمي للحادث
تقييم الأضرار الفنية
النطاق الجغرافي للقطوعات
الأفق الزمني المتوقع للإصلاح
1 أغسطس 2026
حريق محدود في أحد كوابل المحطة وتمت السيطرة عليه سريعاً.
تلف جزئي طفيف في الكوابل التغذوية.
تأثر أجزاء من الخرطوم، نهر النيل، الشمالية، والبحر الأحمر.
عودة وشيكة وسريعة للتيار الكهربائي.
2 أغسطس 2026
اعتراف بعطل كبير ونشوب حريق في محطة "سد مروي-2".
تلف واسع وشامل بالمغذيات الرئيسية لخطي النقل الإستراتيجيين.
إظلام شبه تام وخروج كلي للولايات الأربع عن الشبكة القومية.
تلف كامل لكوابل ثلاث ولايات وحاجة لاستيراد قطع غيار صينية.
استمرار خروج 4 ولايات مع تصاعد أزمة بورتسودان الموازية.
ارتهان الإصلاح بالسرعة الإجرائية لاستيراد قطع الغيار.
يعكس التحول في الخطاب الرسمي من التهويد إلى الإقرار بحجم الكارثة وجود فجوة بين التقارير الأولية الواردة من الموقع والتقييم الهندسي الشامل. ويثير هذا التناقض تساؤلات حول دقة أنظمة الإنذار المبكر والتقييم الفوري للمخاطر في المنشآت الحيوية، حيث أدى الاستخفاف الأولي بالأزمة إلى تأخير ترتيبات التغذية البديلة وإبلاغ القطاعات الخدمية الحيوية لاتخاذ احتياطاتها الوقائية.
الأضرار والحلول المطلوبة
كشفت المعاينة الميدانية التي أجرتها الكوادر الهندسية بحضور وزير الطاقة والنفط المعتصم إبراهيم أحمد واللجنة الأمنية بالولاية الشمالية أن الحريق تسبب في تدمير شبه كامل للمغذيات الرئيسية التابعة لخطي النقل المحوريين: خط "مروي – المرخيات" وخط "مروي – عطبرة". وتُعد هذه الخطوط الشرايين الأساسية لتفريغ الطاقة التوليدية لسد مروي إلى مراكز الأحمال الرئيسية في العاصمة والولايات الأخرى.
وأوضحت المصادر الفنية الموثوقة أن معالجة الأضرار تختلف باختلاف المسارات؛ فبينما يمكن إصلاح كابل نقل الكهرباء المغذي للولاية الشمالية محلياً وإعادته للخدمة في أمد قصير، فإن الكوابل الرئيسية المغذية لولايات الخرطوم ونهر النيل والبحر الأحمر تعرضت لتلف تام يتجاوز قدرات الصيانة المحلية المحتفظ بها في المخازن.
خط النقل / ولاية التغذية
نوع الضرر الواقع
إمكانية الإصلاح المحلي
متطلبات الاستجابة الفنية
خط مروي – المرخيات (تغذية الخرطوم)
تلف كامل للكوابل والمغذيات الرئيسية.
غير ممكن محلياً.
جلب قطع غيار ومغذيات متخصصة من الصين.
خط مروي – عطبرة (تغذية نهر النيل والبحر الأحمر)
احتراق الكوابل الرئيسية الناقلة وتلف القواعد.
غير ممكن محلياً.
التعديل الهيكلي واستيراد قطع غيار بديلة عاجلة.
خط التغذية المحلية (الولاية الشمالية)
عطل فني محصور في جزء من خط التوزيع.
ممكن عبر الكوادر والمواد المتاحة.
إجراء صيانة موضعية واستعادة تدريجية للإمداد.
تستدعي هذه المعطيات الفنية تدخلاً مباشراً باستثناء من مجلس السيادة الانتقالي، نظراً للتعقيدات المالية والإجرائية المتصلة بتوفير النقد الأجنبي والشراء المباشر لشحنات قطع الغيار والمغذيات المصنعة في الصين. وتشير المعطيات التحليلية إلى أن الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية لاستبدال كوابل النقل الرئيسية يخلق ثغرة زمنية حرجة قد تمتد لأسابيع إذا لم تُفعل إجراءات الجسر الجوي السريع أو الدعم التمويل الطارئ، لا سيما في ظل القيود المالية التي تفرضها وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي على الشركة القابضة للكهرباء.
لم تكن أزمة سد مروي معزولة عن بيئتها الإقليمية، إذ تفاقمت حدة الكارثة الكهربائية في البلاد عقب وقوع حادث ثانٍ في اليوم التالي مباشرة (الثاني من أغسطس 2026)، تجسد في اندلاع حريق مفاجئ بمحطة كهرباء بورتسودان القديمة. وتكتسب محطة بورتسودان القديمة أهمية استراتيجية استثنائية في هذا التوقيت الفاصل، كونها الموقع المخصص لاستقبال البارجة التوليدية الجديدة التي وصلت قبل أيام إلى المدينة لدعم الإمداد الكهربائي قبل أن تدخل الخدمة رسمياً.
تسببت ألسنة اللهب والدخان المتصاعد بكثافة من الموقع القديم للمحطة في إشاعة حالة من الهلع بين السكان، وسط صمت رسمي أولي بشأن الأسباب المباشرة للحادث. وقد أدى هذا التزامن الزمني الوثيق بين حريق سد مروي وحريق محطة بورتسودان إلى موجة من الشكوك والتكهنات الشعبية والإعلامية حول وجود أعمال تخريبية أو أصابع خفية تُدار لإفشال منظومة الطاقة.
ورغم طرح فرضية التخريب، فإن القراءة الهندسية للواقع التشغيلي تشير إلى سيناريو يتعلق بالتداعي التراكمي في الشبكات المجهدة. فمع انقطاع التغذية الآتية من سد مروي عبر الشبكة القومية، اندفعت المحطات الفرعية والمحولات المحلية في بورتسودان لمواجهة أحمال زائدة وتذبذبات حادة في الجهد الكهربائي تحت وطأة درجات حرارة قياسية تجاوزت 45 إلى 50 درجة مئوية. ونظراً لتقادم الكوابل وانعدام الصيانة الدورية المنتظمة جراء ندرة التمويل، أدى الإجهاد الحراري والكهربائي إلى حدوث قصر كهربائي أفضى لاندلاع النيران في الموقع.
محطة التوليد الكهرومائي في سد مروي.
الآثار الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية في الولايات الأربع
أدى الخروج الكامل لمحطة سد مروي وتضرر المحطات الفرعية إلى شلل واسع في القطاعات الخدمية والحيوية عبر الولايات الأربع المتأثرة.
التأثير على القطاع الصحي والمؤسسات الطبية
تأثرت المستشفيات والمراكز الطبية بنحو مباشر نتيجة انقطاع التيار الكهربائي المفاجئ. ورغم الاعتماد على مولدات الديزل الاحتياطية، إلا أن النقص الحاد في الوقود وارتفاع تكاليف التشغيل وضع المؤسسات العلاجية أمام مخاطر توقف أقسام العناية المكثفة، وحفظ أكياس الدم، وتبريد الأدوية الحساسة مثل الإنسولين، مما يهدد حياة المئات من المرضى في ظل موجة الحر الشديدة التي يجتازها الإقليم.
تدهور إمدادات مياه الشرب والخدمات الأساسية
ترتبط محطات ضخ مياه الشرب في المدن الرئيسية الكبرى بصورة مباشرة بالشبكة القومية للكهرباء. وتسبب الإظلام في توقف مضخات السحب والتوزيع، مما تسبب في أزمة مياه حادة واضطراب في التوزيع، ليعيد معانات الحصول على المياه النقية إلى الواجهة ويكبد المواطنين أعباء مالية إضافية لشراء المياه من الصهاريج الخاصة بأسعار مضاعفة.
الخسائر الاقتصادية والأنشطة التجارية الصغيرة
في العاصمة الخرطوم ومناطق مثل الكلاكلة، أدى الانقطاع الطويل للتيار إلى تلفيات واسعة في محلات تجارة التجزئة، والمخازن الغذائية، وأنشطة الأسر المنتجة نتيجة غياب وسائل التبريد. وأبدى أصحاب المشاريع الصغيرة عجزاً عن مواصلة نشاطهم التجاري، مما فاقم معدلات الفقر المعيشي وسلب فئات واسعة مصدر دخلهم اليومي في ظل الظروف الاقتصادية المعقدة المترتبة على الحرب.
الاحتقان والاحتجاجات
أدى وصول ساعات برمجة القطوعات إلى نحو 18 ساعة يومياً في ولاية البحر الأحمر، بالتزامن مع ارتفاع نسبة الرطوبة ودرجات الحرارة، إلى تفجر حالة من الاحتقان الشعبي العارم. وعبر المواطنون عن غضبهم عبر خطوات احتجاجية شملت إغلاق الطريق القومي المار بمنطقتي جبيت وسواكن، مطالبين بتحقيق شفاف في أسباب الانقطاعات المتكررة ووضع حد لمعاناتهم في ظل ظروف مناخية قاسية.
التحليل الإستراتيجي لشبكة الكهرباء السودانية
تتجاوز أزمة حريق سد مروي حدود الحادث الفردي العابر لتكشف عن خلل بنيوي عميق في هندسة وادارة قطاع الطاقة في السودان.
تعتمد الشبكة القومية السودانية بنسبة حرجة على إنتاج سد مروي الذي يوفر الطاقة عبر خطوط نقل ممتدة لجمهوريات وولايات متباعدة. إن تركز ما يقارب نصف التوليد الكهرومائي في موقع جغرافي واحد ينطوي على مخاطرة عالية؛ إذ إن أي نقطة عطل واحدة في محطة المحولات أو الكوابل الرئيسية تؤدي تلقائياً إلى انهيار كامل للشبكة وتداعي الإمداد في ولايات متعددة متصلة بهذه الشبكة.
تؤكد المعطيات الفنية أن الشركة السودانية للكهرباء القابضة تعاني وضعاً مالياً مكبلاً، في ظل غياب التنسيق والتمويل اللازم من وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي. وتسبب شلل الميزانيات التشغيلية في تجميد برامج الصيانة الوقائية والاستبدال الدوري للكوابل والمحولات التي انتهى عمرها الافتراضي، ما جعل الشبكة في حالة استنفاد حراري وفني دائم يسارع من معدلات الانهيار عند الحوادث الطارئة.
البنية التحتية لمحطات التوليد الحراري. مصدر: تاق برس
جاءت هذه الأزمة في وقت يعاني فيه قطاع الطاقة من تداعيات الحرب الممتدة في السودان، والتي أسهمت سابقاً في تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية وتعرض سد مروي ومحطاته لضربات بالطائرات المسيرة من قبل الدعم السريع في مراحل سابقة. يضاف إلى ذلك توقف الإمداد الكهربائي المستورد عبر خط الربط مع إثيوبيا، ما حرم الشبكة القومية من هامش المناورة والقدرة على تغطية العجز عند تعطل المصادر المحلية الكبرى.
تُشكل أزمة حريق محطة توليد سد مروي وما تلاها من حريق موازٍ في محطة بورتسودان القديمة جرس إنذار يكشف مدى هشاشة منظومة الطاقة والبنية التحتية في السودان. إن التحول السريع للحريق من حادث فني محلي إلى أزمة قومية شلت أربع ولايات رئيسية يعكس غياب المرونة الاستراتيجية في شبكة نقل الكهرباء، والاعتماد المفرط على منشأة كبرى واحدة دون وجود بدائل تغذية مرنة وموزعة.
ويتطلب التعامل مع هذه الكارثة تجاوز الحلول الترقيعية المؤقتة نحو تبني إستراتيجية شاملة لإدارة قطاع الطاقة. يبرز في هذا الصدد ضرورة المراجعة الشاملة لبروتوكولات التواصل الحكومي وإدارة الأزمات، حيث يتعين على الجهات الرسمية اعتماد التقييمات الفنية الدقيقة منذ اللحظات الأولى وتفادي التناقض في البيانات العامة، لما لذلك من أثر مباشر في بناء الجاهزية لدى القطاعات الصحية والخدمية وتقليل حجم الخسائر المجتمعية والاقتصادية.
وعلى الصعيد اللوجستي العاجل، تفرض طبيعة التلف الشامل في كوابل التغذية الرئيسية إعطاء الأولوية لتسهيل إجراءات الشراء المباشر والاستيراد السريع لقطع الغيار والمغذيات المصنعة في الصين. عهدنا بالقيادة في السودان تذليل كافة القيود الإجرائية والمالية وتوفير التمويل الأجنبي اللازم لإنجاز عمليات توريد وتركيب الكوابل البديلة عبر جسر جوي أو شحن بحري سريع، للحد من مدة الإظلام التي تمتد لتطال حياة ملايين المواطنين.
أما على المستوى الإستراتيجي بعيد المدى، فإن حدة الأزمة تؤكد عدم جدوى الاستمرار في النموذج الحالي القائم على الشبكات المركزية. أضحي من الضروري التحول التدريجي نحو نماذج التوليد الموزع وإنشاء شبكات مصغرة مستقلة اعتماداً على مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية، إلى جانب التوسع في الاستعانة بالبارجات التوليدية البحرية للولايات الساحلية. إن هذا التحول يضمن عزل الأعطال الفنية في نطاقاتها الجغرافية الضيقة ويمنع ظاهرة الانهيار الشامل في حال تعرض إحدى المنشآت الكبرى كـسد مروي لحوادث طارئة أو أضرار تشغيلية مستقبلية.