المشكلة الأكبر في الطاقة الشمسية بديهية بقدر ما هي معقدة: الشمس تغيب. في اللحظة التي يرتفع فيها الطلب العالمي على الكهرباء مساءً بعد غروب الشمس، تتوقف محطات الألواح الشمسية الضوئية عن الإنتاج تماماً.
لسنوات طويلة، كان العالم يعتقد أن الحل يكمن فقط في تطوير بطاريات أفضل لتخزين كهرباء النهار لليل. ولكن، في ظل السباق المحموم نحو الطاقة النظيفة، تعود تكنولوجيا منسية إلى الواجهة، تقنية لا تخزن الكهرباء، بل تخزن حرارة الشمس نفسها.
إنها الطاقة الشمسية المركزة (CSP)، أو ما يعرف بـ تكنولوجيا المرايا. فهل فات أوانها، أم إن وقتها الذهبي قد حان الآن؟
الحرب التي خسرتها المرايا مؤقتاً:
لفهم المستقبل يجب أن نعود للماضي القريب. قبل عقد من الزمان كانت هناك منافسة شرسة بين تقنيتين. الأولى الألواح الضوئية وهي السائدة حالياً، تقوم بتحويل ضوء الشمس مباشرة إلى كهرباء. تتميز ببساطتها، عدم وجود أجزاء متحركة، وسهولة تركيبها من سطح منزل صغير إلى محطة عملاقة. أما الثانية فهي الطاقة الشمسية المركزة (CSP) وهي تعتمد على آلاف المرايا التي تعكس وتركز أشعة الشمس في نقطة واحدة (برج مثلاً) لتسخين سائل لدرجات حرارة هائلة، ينتج بخاراً يدير توربينات تقليدية لتوليد الكهرباء. أي هي محطة حرارية معقدة، لكن وقودها الشمس بدلاً من الفحم.
المرايا العاكسة تعكس أشعة الشمس على برج التسخين
لماذا انتصرت الألواح؟
الإجابة في كلمة واحدة: التكلفة. شهد العقد الماضي انخفاضاً مذهلاً في أسعار الألواح الشمسية بنسبة تجاوزت 90% بفضل التصنيع الصيني الكثيف. في المقابل، بقيت تكنولوجيا المرايا معقدة هندسياً، باهظة الثمن، وتحتاج لصيانة دقيقة، مما جعل المستثمرين يهربون منها نحو الخيار الأرخص والأبسط. ظن الكثيرون أن تكنولوجيا CSP قد ماتت إكلينيكياً.
التحول الدرامي.. من منافس إلى بطارية عملاقة
النقطة المحورية التي تغير قواعد اللعبة الآن، هي أن تكنولوجيا المرايا وجدت لنفسها دوراً جديداً وحيوياً. لم تعد وظيفتها الأساسية إنتاج الكهرباء الأرخص نهاراً حيث لا يمكنها منافسة الألواح، بل أصبحت وظيفتها تخزين الطاقة لليل.
الصورة توضح مخطط لمحطة شمسية تستخدم تقنية المرايا
بدلاً من استخدام بطاريات الليثيوم باهظة الثمن وقصيرة العمر لتخزين كميات هائلة من الطاقة، تستخدم محطات المرايا الحديثة الملح المذاب. يتم تسخين هذا الملح نهاراً بواسطة المرايا لدرجات حرارة تتجاوز 560 درجة مئوية، وتخزينه في خزانات عملاقة معزولة أشبه بترمس شاي عملاق. هذا الملح يحتفظ بالحرارة بكفاءة مذهلة. وعندما تغيب الشمس، يتم استخدام هذه الحرارة المخزنة لغلي الماء وتشغيل التوربينات البخارية طوال الليل.
يمكن لهذه المحطات أن تعمل بكامل طاقتها لمدة 8 إلى 12 ساعة بعد غروب الشمس بتكلفة تخزين أرخص بكثير من البطاريات الكيميائية عند العمل على نطاق واسع وانتاج كهربائي كبير.
صهاريج تخزين الملح المذاب الساخن للإستخدام الليلي
الصين تتبنى تكنولوجيا المرايا
كما فعلت مع الألواح الشمسية سابقاً، تقود الصين الآن نهضة تكنولوجيا المرايا. الحكومة الصينية تدرك أن شبكتها الكهربائية العملاقة لا يمكن أن تعتمد على مصادر متقطعة مثل الرياح والشمس النهارية فقط، وهي بحاجة لمصادر مستقرة تعمل على مدار الساعة ولكنها نظيفة في نفس الوقت. تقوم الصين حالياً ببناء حوالي 30 مشروعاً ضخماً للطاقة الشمسية المركزة، وتفرض سياسات تلزم مشاريع الطاقة المتجددة الجديدة باحتواء نسبة من التخزين. هذا التبني الواسع و اقتصاديات الحجم من المتوقع أن يؤديان إلى خفض تكلفة بناء هذه المحطات المعقدة عالمياً، مما يجعلها خياراً جذاباً للدول الأخرى.
ماذا يعني هذا لمنطقتنا - السودان والعالم العربي؟
نظرياً، منطقتنا هي الوطن الطبيعي لهذه التكنولوجيا. الطاقة الشمسية المركزة لا تحتاج فقط إلى الشمس، بل تحتاج إلى إشعاع شمسي مباشر، أي سماء صافية تماماً خالية من الغيوم والغبار والرطوبة لتتمكن المرايا من التركيز بدقة. يتمتع شمال السودان وصحاري العالم العربي بأعلى معدلات إشعاع شمسي مباشر على وجه الأرض.
لكن، يجب أن نكون واقعيين. هذه محطات تكنلوجيا عالية تحتوي على توربينات بخارية، مضخات للملح الساخن جداً والذي قد يتجمد إذا انخفضت حرارته، وأنظمة تتبع دقيقة لحركة الشمس. التحدي في منطقتنا ليس في توفر الشمس، بل في توفر القدرة الهندسية للصيانة والتشغيل المستمر، وفي التعامل مع البيئة الصحراوية القاسية والعواصف الترابية التي قد تعطل المرايا.
ختاماً، المستقبل ليس لتقنية واحدة تلغي الأخرى. الشبكات الكهربائية الذكية في المستقبل القريب ستعتمد على المزيج الهجين، ألواح شمسية توفر أرخص كهرباء أثناء النهار، ومحطات مرايا تعمل كبطاريات حرارية عملاقة لتولي المهمة فور غروب الشمس.
لقد عادت التكنولوجيا المنسية، ولكن هذه المرة كشريك لا غنى عنه.




