لطالما اعتدنا في العقد الماضي على قاعدة ذهبية في عالم الطاقة الشمسية: "انتظر قليلاً، وسينخفض السعر". لكن يبدو أن عام 2026 قد كسر هذه القاعدة وبشكل نهائي.
بصفتنا مراقبين للسوق، شهدنا في يناير تحولاً جذرياً. بعد الهبوط الحر للأسعار العالمية لفترة من الزمن، بدأت الأسعار في الارتداد لتشكل ما يسميه الخبراء قاعاً سعرياً جديداً. في هذا التقرير، سنغوص في الأسباب العالمية وراء هذا التغيير، وكيف سيؤثر ذلك بشكل مباشر ومؤلم أحياناً على السوق السوداني الذي يعتمد حالياً على الطاقة الشمسية كشريان حياة.
المشهد العالمي: لماذا ترتفع الأسعار الآن؟
وفقاً لأحدث التقارير الصادرة في فبراير 2026، يبدو أن قطاع الطاقة الشمسية قد غادر فعلياً مرحلة حرق الأسعار التي قادها المصنعون الصينيون وميزت السوق خلال عامي 2024 و2025. نحن الآن أمام مشهد عالمي جديد ومختلف، حيث تضافرت عدة عوامل اقتصادية لإنهاء حقبة الانخفاضات المستمرة، مما يضعنا أمام واقع تحكمه قوى سوقية تدفع باتجاه تصحيح الأسعار وتثبيتها عند مستويات جديدة.
أولى هذه القوى الضاغطة هي ما يمكن تسميته بصدمة الفضة، حيث تضاعف سعر هذا العنصر الحيوي في صناعة الخلايا بنسبة وصلت إلى 200%، مما أجبر المصنعين على تمرير هذه الزيادة إلى المستهلك النهائي ورفع الأسعار لأول مرة منذ سنوات.
تعد الفضة المكون الأكثر حيوية في صناعة الخلايا الشمسية لسبب تقني بحت، وهو أنها تمتلك أعلى ناقلية كهربائية بين جميع المعادن على الإطلاق. تُستخدم الفضة في شكل "عجينة" (Silver Paste) لطباعة الخطوط الدقيقة (Busbars & Fingers) التي تراها على سطح الخلية الشمسية؛ ومهمة هذه الخطوط هي جمع الإلكترونات التي تولدها الشمس ونقلها إلى خارج الخلية كتيار كهربائي. في التقنيات الحديثة مثل TOPCon و HJT، تزداد الحاجة للفضة بشكل أكبر مقارنة بالتقنيات القديمة، مما جعل تكلفة الفضة داخل اللوح الواحد تتجاوز أحياناً تكلفة السيليكون نفسه، وأي قفزة في أسعار الفضة العالمية تترجم فوراً إلى زيادة مباشرة في سعر الألواح.
وبالتوازي مع ذلك، شهدنا استقراراً ملحوظاً في سوق البولي سيليكون؛ إذ توقفت حرب الأسعار الشرسة بين المصانع الكبرى، واستقرت تكاليف المواد الخام عند مستويات تضمن هامش ربح معقول للمنتجين، واضعة حداً لسياسة البيع بأسعار التكلفة أو أقل.
لكن الحدث الأبرز والأكثر تأثيراً في هذه المعادلة هو القرار القادم من بكين بإلغاء استرداد ضريبة القيمة المضافة (VAT rebate) للصادرات الشمسية، وهو قرار مفصلي سيدخل حيز التنفيذ في الأول من أبريل 2026. هذا التحول الاستراتيجي يعني حكماً أن تكلفة الألواح المستوردة من الصين سترتفع تلقائياً بنسبة تتراوح بين 9% إلى 15% بحلول شهر أبريل، مما يضيف طبقة جديدة من التكاليف على المستوردين حول العالم.
لفترة طويلة، كانت الحكومة الصينية تتبع سياسة لدعم التصنيع المحلي والسيطرة على الأسواق العالمية من خلال نظام استرداد ضريبة القيمة المضافة (VAT Rebate). فبينما تفرض الصين ضريبة قيمة مضافة بنسبة 13% داخلياً، كانت تمنح المصنعين استرداداً كاملاً أو جزئياً لهذه النسبة عند تصدير الألواح للخارج. هذا الخصم الضريبي كان يمثل وسادة أمان للمصانع، حيث يسمح لهم ببيع الألواح في الأسواق الدولية بأسعار منخفضة جداً (أحياناً بأقل من تكلفة الإنتاج الحقيقية) مع الحفاظ على الربحية من خلال الأموال التي يستردونها من الحكومة، وهو ما أدى لظاهرة حرق الأسعار التي شهدناها في السنوات الماضية.
بناءً على هذه المعطيات، يتراوح متوسط السعر العالمي للواط حالياً (للمشاريع الكبرى) ما بين 0.18 و0.25 دولار أمريكي. ومن الناحية التقنية، أصبحت تقنية الـ TOPCon هي السائدة والمسيطرة على الحصة الأكبر من المشهد الحالي، في حين حافظت تقنية HJT على مكانتها كخيار نخبو يتميز بكفاءة أعلى ولكن بأسعار أكثر ارتفاعاً، لتلبي احتياجات المشاريع النوعية.
السوق السوداني: معادلة البقاء وتحديات الأسعار
بينما ينشغل العالم بحسابات عائد الاستثمار والهوامش الربحية، يواجه المواطن السوداني واقعاً مغايراً تماماً عنوانه البقاء. فمع تضرر ما يزيد عن 40% من البنية التحتية للكهرباء جراء الحرب، تحولت الطاقة الشمسية من خيار للرفاهية إلى شريان حياة ضروري لتشغيل المنازل، والمرافق الصحية، ومحطات ضخ المياه. إلا أن انعكاسات التقرير العالمي على الخرطوم والولايات تكشف عن فجوة سعرية هائلة؛ فبينما يستقر السعر العالمي للوح الشمسي عند حدود 20 إلى 25 سنتاً للواط، يتضاعف هذا الرقم عدة مرات في أسواق التجزئة السودانية ليتراوح تقديرياً بين 0.70 و0.90 دولار للواط. هذا الفارق الشاسع لا يعكس تكلفة المنتج فحسب، بل هو محصلة لتكاليف الشحن المعقدة، وارتفاع المخاطر الأمنية، بالإضافة إلى التدهور المستمر في سعر الصرف.
تلوح في الأفق أزمة جديدة بحلول شهر أبريل القادم، حيث يعتمد المستوردون السودانيون بشكل شبه كلي على المصانع الصينية. ومع دخول قرار إلغاء استرداد الضرائب حيز التنفيذ في الصين، فإن الارتفاع المتوقع بنسبة 15% من المصدر سيتضخم بشكل كبير عند وصوله للمستهلك السوداني، متأثراً بتراكم الرسوم الجمركية وهوامش المخاطرة العالية. وللأسف، تشير التقارير إلى أن ارتفاع أسعار العلامات التجارية الموثوقة مثل (Jinko) و (Longi) قد دفع السوق المحلي نحو طوفان من الجودة المتدنية، حيث يتم إغراق السوق بمنتجات (Low-tier) للحفاظ على أسعار ظاهرية مقبولة، مما يهدد استدامة الأنظمة وكفاءتها على المدى الطويل.
وفيما يتعلق بالمستقبل القريب (2026-2030)، تشير التوقعات بوضوح إلى أن الأسعار لن تعود لمستويات 2024 المنخفضة؛ إذ سنشهد ارتفاعاً طفيفاً ومستمراً حتى عام 2027. ورغم أن تقنيات واعدة مثل الخلايا الترادفية (Perovskite) قد تبدأ بالظهور تجارياً بحلول 2030، إلا أن الأسعار الحالية ستظل هي المعيار السائد للفترة القادمة.
بناءً على هذه المعطيات، فإننا ننصح أهلنا في السودان باتخاذ خطوات عاجلة؛ فنحن نعيش حالياً فترة سماح مدتها شهران قبل تطبيق الزيادات السعرية العالمية في الأول من أبريل. لذا، يُفضل شراء الألواح المتوفرة محلياً الآن قبل وصول الشحنات الجديدة المحملة بالأسعار المرتفعة، مع الحرص على اختيار تقنية N-type TOPCon لقدرتها الفائقة على تحمل درجات الحرارة العالية، لتكون استثماراً ذكياً يوفر تكاليف الاستبدال مستقبلاً في عصر انتهت فيه سياسة الرخص وبدأ عصر الكفاءة.

