بينما يلجأ السودان للطاقة الشمسية كحل للأزمات، تتبنى المملكة العربية السعودية هذه التقنية كجزء من استراتيجية رؤية 2030 لخفض الاعتماد على الوقود السائل وتحقيق استدامة الموارد المائية.
تحدي الهندسة: ضغط ثابت من طاقة متغيرة
تشغيل نظام الري المحوري (Center Pivot) بالطاقة الشمسية ليس كما يعتقده البعض بسيطاً يستبدل فيه المولد بالألواح. التحدي الأكبر الذي يواجهه المهندسون يكمن في الهيدروليكا. تتطلب الرشاشات ضغطاً ثابتاً لتعمل بكفاءة، والضغط الثابت يحتاج لتيار ثابت، بينما تتذبذب الطاقة الشمسية ومن ثم التيار مع كل سحابة عابرة وكل عاصفة ترابية.
تبنت المملكة مجموعة من الحلول التكنولوجية المتقدمة وطبقها علي مشاريعها لتتخطي العقبات، من ضمنها:
محركات التردد المتغير (VFDs): تستخدم خوارزميات ذكية لضبط سرعة المضخة لحظياً مع سطوع الشمس.
الأنظمة الهجينة: دمج الطاقة الشمسية مع الشبكة الكهربائية لضمان استقرار الضغط، وهو ما طبقته شركة "نادك" في مشروعها العملاق بالطاقة الشمسية بقدرة 30 ميجاواط في حرض جنوب شرق العاصمة السعودية الرياض.
ما هي محركات التردد المتغير (VFDs) وكيف تعمل؟
تُعد محركات التردد المتغير بمثابة العقل المدبر لنظام الري الشمسي؛ فهي المسؤولة عن تحويل الطاقة المتقلبة القادمة من الألواح الشمسية إلى حركة ميكانيكية دقيقة للمضخات. فبدلاً من توقف المضخة عند مرور سحابة أو انخفاض سطوع الشمس، تستخدم هذه المحركات خوارزميات ذكية لتتبع نقطة الطاقة القصوى (MPPT)، مما يسمح للمضخة بتعديل سرعتها لحظياً لتناسب كمية الإشعاع المتاحة.
هذا يعني أن المضخة تبدأ بالعمل بهدوء في الصباح الباكر وتستمر في الضخ حتى غياب الشمس دون انقطاع، مما يحمي المحرك من الصدمات الكهربائية ويطيل عمره الافتراضي، والأهم من ذلك، أنه يلغي تماماً الحاجة لبطاريات التخزين المكلفة، محولاً ضوء الشمس المباشر إلى تدفق مائي مستدام وبأعلى كفاءة هيدروليكية ممكنة.
عمالقة القطاع يقودون التحول
بادرت مجموعة من الشركات السعودية الرائدة في مجالات الإنتاج الزراعي وتقنيات الزراعة الحديثة بتبني أنظمة الطاقة الشمسية، من ضمنها شركة الخريف لتقنيات المياه والطاقة، إذ تقود مشاريع ضخمة لنقل المياه المعالجة (TSE) من المدن إلى المزارع باستخدام الطاقة المتجددة، مما يغلق دائرة استهلاك المياه ويقلل الضغط على المياه الجوفية.
كما تنفذ شركة الجوف الزراعية مشاريع لربط مزارعها بالشبكة الكهربائية والطاقة الشمسية، مستغنية عن مولدات الديزل في آبار تصل أعماقها إلى 2000 متر تحت سطح الأرض.
الجدوى الاقتصادية في المملكة
مع رفع الدعم التدريجي عن الديزل وتوفر قروض صندوق التنمية الزراعية التي تغطي حتى 70% من تكلفة التقنيات الحديثة، انخفضت فترة استرداد رأس المال (ROI) للمشاريع الشمسية السعودية إلى ما بين 3 إلى 5 سنوات فقط. السعودية اليوم تزرع الصحراء وتعيد هندسة طريقة الزراعة لتكون نموذجاً عالمياً في الكفاءة والاستدامة.
من الريادة إلى الصمود.. جسر الأمل نحو السودان
إن هذه النقلة النوعية التي نراها في المزارع السعودية، من استخدام محركات الـ VFD الذكية إلى بناء الأنظمة الهجينة العملاقة، تمثل خارطة طريق لما يمكن —بل وما يجب— أن يكون عليه مستقبل الزراعة في السودان.
فبينما تستخدم المملكة هذه التكنولوجيا لتحقيق الكفاءة القصوى ضمن رؤية 2030، يجد المزارع السوداني فيها اليوم المخرج الوحيد من أزمة الوقود الخانقة وتكاليف الإنتاج التي أثقلت كاهله. إن نقل هذه الخبرات الهندسية، وتطويع تقنيات مثل تتبع نقطة الطاقة القصوى (MPPT) لتناسب البيئة السودانية، سيعني تحويل ملايين الأفدنة من أراضٍ مهددة بالعطش إلى واحات إنتاج مستدام لا ترتبط بأسعار النفط ولا تتأثر بانهيار سلاسل الإمداد.
السعودية اليوم ترسم النموذج، والسودان يمتلك الإرادة والأرض؛ وبتلاقي التقنية مع الصمود، يمكن للشمس التي تشرق فوق مزارع البلدين أن تكون هي المحرك الحقيقي لأمننا الغذائي المشترك.

