يشهد القطاع الزراعي في السودان، الذي طالما شكّل سلة الغذاء الإقليمية، تحولاً جذرياً فرضته ظروف الحرب القاسية. فمنذ اندلاع النزاع في أبريل 2023، لم يعد الاعتماد على الجازولين لتشغيل أنظمة الري المحوري مكلفاً فحسب، بل أصبح مستحيلاً في كثير من الأحيان.
انهيار البنية التحتية للطاقة
أدى استهداف مصفاة الجيلي وتدمير سلاسل الإمداد إلى خلق فجوة طاقة هائلة. تشير البيانات الميدانية إلى أن أسعار الديزل في السوق الموازي قفزت بنسب تجاوزت 400%، مما جعل تشغيل المولدات التقليدية عملية انتحارية اقتصادياً للمزارعين.
كما أظهرت صور الأقمار الصناعية حقيقة صادمة، إذ انخفضت المساحات المزروعة بنظام الري المحوري حول الخرطوم بنسبة 87% بين عامي 2022 و2024. هذا الانكماش يعد تهديداً مباشراً للأمن الغذائي القومي.
الطاقة الشمسية البديل الحتمي
وسط هذا الانهيار في البنية التحتية، برزت الطاقة الشمسية كطوق النجاة الأخير، مدعومةً بحقائق اقتصادية لا تقبل الجدل:
جدوى اقتصادية ساحقة للأنظمة الشمسية، حيث انخفضت التكلفة المستوية للكهرباء (LCOE) إلى 0.038 دولار فقط للكيلوواط ساعة، مما يجعلها أرخص بثمانية أضعاف مقارنة بأسعار الديزل الفلكية في زمن الحرب.
وفرة ملموسة للأنظمة الشمسية، ففي الولاية الشمالية على سبيل المثال لم يعد المزارعون تحت رحمة شح الوقود حيث وفرت المشاريع الشمسية ما متوسطه 960 لتراً من الديزل للفدان الواحد في الموسم.
الأهم من ذلك، أن النظام الشمسي يمنح المزارع مناعة ضد التضخم وانهيار العملة وتقلبات الأسعار، فالشمس لا تحتاج إلى عملة صعبة لاستيرادها كل صباح.
من الشمالية إلى دارفور
وبينما تقود الولاية الشمالية ونهر النيل مشاريع الزراعة الاستراتيجية للقمح والقطن، تلعب الطاقة الشمسية دوراً إنسانياً حاسماً في دارفور وكردفان. هناك، تحولت هذه الأنظمة اللامركزية إلى شريان حياة للمجتمعات المعزولة، حيث لا تكتفي بري المزارع الصغيرة، بل تشغل محطات المياه وأجهزة الاتصال (Starlink)، لتبقي تلك المناطق على قيد الاتصال والحياة.
إن التحول للطاقة الشمسية في السودان يعد اليوم استراتيجية البقاء الوحيدة المتاحة لضمان ألا تتوقف سنابل القمح عن النمو، مهما كانت الظروف.

