مع تزايد الاعتماد على حلول الطاقة البديلة في السودان يواجه الجميع نفس المعضلة عند اختيار نظام التخزين المناسب، وبينما يبدو السعر هو العامل الحاسم للوهلة الأولى تكشف لنا لغة الأرقام والواقع التشغيلي حقيقة مختلفة تماماً تستحق التوقف عندها قبل اتخاذ قرار الشراء.
بطاريات الجل
قد يبدو السعر الابتدائي لبطاريات الجل مغرياً واقتصادياً، وهي بالفعل خيار جيد للاستخدامات الخفيفة وفي الأجواء المعتدلة. ولكن، في مناخنا السوداني حيث تلامس الحرارة سقف الـ 45 درجة مئوية، تواجه هذه البطاريات عدواً خفياً. علمياً، كل زيادة بمقدار 10 درجات فوق المعدل الطبيعي (25°) تخصم 50% من عمر البطارية. هذا يعني أن البطارية المصممة لتعيش 4 سنوات، قد تودعك خلال عام ونصف فقط، مما يجعلك تدفع ثمنها 5 مرات خلال عقد واحد!
مشكلة بطاريات الجل تكمن في تركيبتها الكيميائية التي تعتمد على تفاعلات بطيئة لا تحتمل نمطنا القاسي في التشغيل. عندما ترتفع الحرارة في الخرطوم أو الولايات، تنتقل الحرارة الى المادة الهلامية (الجل)، هذا الارتفاع المستمر يؤدي لتبخر تدريجي للسوائل المكونة للإلكتروليت مما يسبب جفاف الجل وتشققه، وبمجرد حدوث هذا الجفاف تزداد المقاومة الداخلية للبطارية وتفقد قدرتها على الاحتفاظ بالشحنة، فتجد الفولتية تهبط فجأة بمجرد تشغيل أي حمل كهربائي.
الأمر الأخطر هو ما يعرف بظاهرة الكبرتة الناتجة عن الشحن الناقص. في ظل قطوعات الكهرباء الطويلة وعودتها لساعات قليلة لا تجد بطارية الجل الوقت الكافي لإكمال دورتها الكيميائية، حيث تحتاج لـ 8 ساعات على الأقل لتشحن بالكامل بآلية الشحن البطيء المناسبة لها. عندما يتم قطع الشحن في المنتصف يوماً بعد يوم تتكون طبقة عازلة من بلورات الكبريت على ألواح الرصاص الداخلية، مما يؤدي لموت البطارية سريرياً وهي لا تزال جديدة ظاهرياً.
هناك أيضاً خدعة السعة الاسمية التي يغفل عنها الكثيرون، فبطارية الجل المكتوب عليها 200 أمبير لا تعطيك فعلياً سوى 100 أمبير، لأن تفريغها بأكثر من 50% يدمر خلاياها بسرعة قياسية. هذا يعني أنك مضطر لشراء ضعف عدد البطاريات لتحصل على نفس الطاقة الفعلية التي تقدمها بطارية ليثيوم واحدة، مما ينسف أي توفير مالي كنت تظن أنك حققته عند الشراء.
بطاريات الليثيوم
نقلب المعادلة تماماً عند الانتقال إلى تكنولوجيا بطاريات الليثيوم التي صممت لتجاوز عيوب بطاريات الجل الهيكلية. فبينما تحتاج بطاريات الجل التقليدية لليلة كاملة لتمتلئ، تمتلك خلايا الليثيوم القدرة على استقبال تيارات شحن عالية جداً تمكنك من تخزين كامل احتياجك اليومي خلال ساعتين فقط، هذا بالإضافة إلى قدرتها على تفريغ كامل سعتها التخزينية تقريباً.
ما يميز الليثيوم فعلياً هو ثبات الفولتية المدهش أثناء التشغيل، ففي بطاريات الجل تلاحظ هبوطاً تدريجياً في الجهد كلما زاد الحمل مما يؤدي لضعف أداء الأجهزة أو انطفاء الانفرتر مبكراً، بينما تحافظ بطارية الليثيوم على فولتية ثابتة ومستقرة حتى اللحظات الأخيرة قبل نفاد الشحن تماماً وهذا يعني أن مكيفات الهواء والمضخات تعمل بكفاءة قصوى ودون إجهاد لمواتيرها طوال فترة التشغيل.
السر الآخر يكمن في نظام إدارة البطارية الذكي BMS الذي يعمل كعقل إلكتروني يراقب كل خلية على حدة، ففي البطاريات التقليدية إذا تلفت خلية واحدة فإنها تسحب أداء المجموعة بأكملها للأسفل، أما في الليثيوم يقوم هذا النظام بعملية توازن دقيقة تضمن شحن وتفريغ جميع الخلايا بالتساوي كما يفصل البطارية تلقائياً عند استشعار أي خطر حراري أو كهربائي مما يلغي احتمالية الانفجار أو التلف المفاجئ.
نقطة جوهرية أخرى تتناسب مع واقعنا هي عدم تأثر الليثيوم بما يعرف بذاكرة الشحن، فالبطارية لا تتضرر إذا شحنتها واستخدمتها وهي ممتلئة بنسبة 50% أو 70%، عكس البطاريات الحمضية التي يجب أن تشحن بالكامل دورياً للحفاظ على صحتها، هذا يعني أنك تستطيع استغلال أي فترة لتوفر الكهرباء مهما كانت قصيرة لشحن ما تيسر واستخدامه فوراً دون قلق على عمر البطارية الافتراضي.
أخيراً هناك عامل الكثافة الطاقية الهائل، فبطارية ليثيوم واحدة بوزن 50 كيلوجراماً يمكنها استبدال بنك بطاريات جل يزن 250 كيلوجراماً، هذا الفارق الكبير يسهل عمليات النقل والتركيب خاصة في الطوابق العليا أو المناطق النائية ويقلل من المساحة المهدرة داخل المنزل بشكل ملحوظ.
خلاصة الأمر أن المقارنة بين النظامين تتجاوز لغة الأرقام المباشرة لتصل إلى مفهوم القيمة الحقيقية مقابل المال، فدفع تكلفة أعلى اليوم لامتلاك تقنية الليثيوم هو في الواقع تأمين طويل الأمد ضد متاعب الصيانة ومصاريف الاستبدال المتكررة التي تستنزف ميزانيتك ببطء دون أن تشعر، فالخيار الذكي في بيئتنا القاسية هو الذي يمنحك استدامة الطاقة وراحة البال وليس الذي يوفر عليك بضعة جنيهات في لحظة الشراء الأولى.

