تفرض التحولات الاقتصادية الكبرى وظروف اقتصاد الحرب منهجية جديدة كلياً في تخطيط المشاريع الزراعية، حيث تتجاوز حسابات الجدوى مجرد النظر في التكاليف التشغيلية اليومية للوقود، لتتمحور حول بناء منظومة إنتاج قادرة على الصمود وتأمين الغذاء والطاقة لعقود مقبلة. ومن هذا المنطلق، نستعرض تحليلاً هندسياً واقتصادياً شاملاً للمفاضلة بين أنظمة الري بالديزل والطاقة الشمسية، مسلطين الضوء على العوائد الاستثمارية طويلة الأمد، المحددات الفنية لكل نظام، والمخاطر البيئية التي تشكل مستقبل الزراعة.
1. مقارنة التكاليف والتكلفة المستوية للطاقة (LCOE)
التكلفة المستوية للطاقة هي الفاتورة الحقيقية للكيلوواط الواحد من الكهرباء على مدار العمر الافتراضي الكامل للمشروع. تحسب التكلفة المستوية للطاقة ثمن شراء المولد أو الألواح، ثم تجمع كل قرش ينفق على المشروع (شراء، تركيب، وقود، صيانة، إصلاحات) وتقسمه على إجمالي كمية الطاقة التي سينتجها النظام طوال حياته (التي تصل إلى 25 عاماً في الطاقة الشمسية).
بالنسبة للديزل، فإن تكلفته التشغيلية مرتفعة ومتذبذبة. على سبيل المثال، محرك ري محوري كبير قد يستهلك وقوداً بقيمة تتجاوز 100,000 دولار سنوياً (بالأسعار العالمية)، ناهيك عن تكاليف الزيوت والصيانة المستمرة كل 20,000 ساعة.
الطاقة الشمسية رغم تكلفتها الأولية المرتفعة، فإن تكلفتها التشغيلية تقترب من الصفر، والتكلفة المستوية للطاقة للأنظمة الشمسية على مدى 25 عاماً هي الأقل بفارق شاسع.
لنفترض المقارنة بين مولد ديزل تشتريه بـ 5,000 دولار لكنه يستهلك وقوداً وصيانة بقيمة 4,500 دولار سنوياً، وبين نظام شمسي تشتريه بـ 15,000 دولار لكن مصاريفه التشغيلية تكاد تنعدم؛ فبينما يبدو المولد أرخص عند الشراء، تخبرنا التكلفة المستوية أنه بعد 10 سنوات سيكون إجمالي ما صرفته على الديزل قد تجاوز 50,000 دولار، مقابل 17,000 دولار فقط للنظام الشمسي. وبقسمة هذه المصاريف على كمية الطاقة المنتجة، نجد أن سعر الكيلوواط في الشمس أقل بنسبة 65%، مما يثبت أن الطاقة الشمسية هي استرداد لرأس المال في غضون 3-4 سنوات، يتحول بعدها الري إلى مجاني تماماً لما تبقى من عمر النظام.
2. التحديات التقنية وقوانين التناسب
هذه الجدوى الاقتصادية تصطدم بحقائق فيزيائية صارمة لا يمكن تجاهلها. يسود اعتقاد خاطئ بأن خفض سرعة المضخة في أوقات الغيوم أو ضعف الإشعاع هو حل لتوفير الطاقة، لكن هذا يتجاهل قوانين التناسب الهندسية؛ حيث أن خفض السرعة بنسبة بسيطة يؤدي لانهيار كبير في ضغط المياه. بالنسبة لأنظمة حساسة مثل الري المحوري، يعتبر هذا الانخفاض في الضغط كارثياً، إذ تفشل المياه في الوصول إلى الرشاشات الطرفية، مما يؤدي لتدمير انتظام الري وجفاف أطراف المحصول. لذا، فإن التحول للطاقة الشمسية أكبر من مجرد تركيب ألواح شمسية، إنما يتسع ليشمل مجالا الهندسة الهيدروليكية دقيقة، وقد يتطلب الأمر أنظمة هجينة لضمان ثبات الضغط.
3. مفارقة جيفونز والمياه الجوفية
لاحظ الاقتصادي الإنجليزي وليام ستانلي جيفونز أنه عندما زادت كفاءة استخدام الفحم في المحركات البخارية - أي أصبحت المحركات تستهلك فحمًا أقل لإنتاج نفس الطاقة - لم ينخفض استهلاك الفحم الإجمالي في إنجلترا كما كان متوقعًا، بل زاد بشكل هائل! زيادة الكفاءة جعلت استخدام المحركات أرخص وأكثر ربحية، مما دفع الجميع لاستخدامها في كل مكان، فزادت الحاجة للفحم بدلاً من أن تنقص.
اليوم، يتكرر المشهد مع المياه الجوفية؛ فعندما تجعل الطاقة الشمسية تكلفة ضخ المياه صفرية، يزول الرادع المالي، مما يخلق حافزاً خطيراً للإفراط في الضخ بما يتجاوز حاجة النبات، مهدداً باستنزاف الخزانات الجوفية غير المتجددة. وعليه، فإن هذا الانتقال الطاقي يجب أن يكون مشروطاً بتبني تقنيات الري الذكي والعدادات الدقيقة، لضمان أننا نستخدم هذه الطاقة المجانية لإنتاج الغذاء، لا لاستنزاف مخزوننا المائي المستقبلي.
يمثل الانتقال نحو الطاقة الشمسية خياراً حتمياً لتأمين مستقبل القطاع الزراعي في السودان، وهو مسار يتطلب رؤية تكاملية تدمج دقة التصميم الهندسي مع الجدوى الاقتصادية والوعي البيئي. ففي ظل وفرة الطاقة المجانية التي تتيحها الشمس، تبرز الحاجة الملحة لتبني تقنيات الري الذكي كشرط أساسي لنجاح هذه المنظومة، لضمان توجيه هذه الموارد نحو تعزيز الأمن الغذائي وزيادة الإنتاج، مع الحفاظ المتزامين على المخزون المائي الاستراتيجي من الاستنزاف الجائر.

